الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
71
تفسير روح البيان
في كل عصر إلى أن ينزل عيسى عليه السلام ويقتل الدجال فان قلت ما الحكمة في تسليط الظلمة على أهل الأرض وقد استعبد فرعون بني إسرائيل سنين كثيرة قلت تحصيل جوهرهم مما أصابهم من غش الآثام ان كانوا أهلا لذلك والا فهو عذاب عاجل - يحكى - ان عمر رضى اللّه عنه لما بلغه ان أهل العراق حصبوا أميرهم اى رموه بالحجارة خرج غضبان فصلى فسها في صلاته فلما سلم قال اللهم انهم لبسوا علىّ فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم وكان ذلك قبل ان يولد الحجاج فلما ولد كان من امره ما كان وفي الحديث ( يلحد بمكة تيس من قريش اسمه عبد اللّه عليه مثل أوزار الناس ) قال صاحب انسان العيون هو عبد اللّه الحجاج ولا مانع من أن يكون الحجاج من قريش وفي حياة الحيوان ان العرب إذا أرادوا مدح الإنسان قالوا كبش وإذا أرادوا ذمه قالوا تيس ومن ثمة قال صلى اللّه تعالى عليه وسلم في المحلل ( التيس المستعار ) فَما آمَنَ لِمُوسى في مبدأ امره قبل إلقاء العصا واما ايمان السحرة فقد وقع بعده فلا ينافي الحصر المذكور هنا إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ اى الا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل حيث دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون واجابته طائفة من شبانهم وذلك ان لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير ولا سبيل لحمله على التحقير والإهانة هاهنا فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد أو حداثة السن عَلى خَوْفٍ اى كائنين على خوف عظيم مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ اى ملأ الذرية ولم يؤنث لان الذرية قوم فذكر على المعنى . تلخيصه آمنوا وهم يخافون من فرعون ومن اشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم ويجوز ان يكون الضمير لفرعون على أن المراد بفرعون آله كثمود اسم قبيلة أَنْ يَفْتِنَهُمْ ان يعذبهم فرعون أو يرجع آباؤهم إلى فرعون ليردهم إلى الكفر وهو بدل اشتمال تقديره على خوف من فرعون فتنته كقولك أعجبني زيد علمه واسناد الفعل إلى فرعون خاصة لأنه الآمر بالتعذيب قال في التأويلات النجمية فما آمن لموسى القلب إلا ذرية من قومه وهي صفاته ويجوز أن تكون الهاء في قومه راجعة إلى فرعون النفس اى ما آمن لموسى القلب الا بعض صفات فرعون النفس فإنه يمكن تبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية على خوف من فرعون وملائهم يعنى على خوف من فرعون النفس والهوى والدنيا وشهواتها بان يبدلوها باخلاقها الطبيعية التي جبلت النفس عليها وبهذا يشير إلى أن النفس وان تبدلت صفاتها الامّارية إلى المطمئنة لا يؤمن مكرها وتبدلها من المطمئنة إلى الامارية كما كان حال بلعام وبرصيصا ان يفتنهم بالدنيا وشهواتها ويرجع النفس قهقرى إلى اماريتها انتهى قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر في مواقع النجوم وعلامة المدعى في الوصول رجوعه إلى رعونة النفس واعراضها ولهذا قال أبو سليمان الداراني من رؤساء المشايخ لو وصلوا ما رجعوا وانما حرموا الوصول لتضييعهم الأصول فمن لم يتخلق لم يتحقق وعلامة من صح وصوله الخروج عن الطبع والأدب مع الشرع واتباعه حيث سلك انتهى وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ لغالب في ارض مصر ومتكبر وطاغ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ في الظلم والفساد بالقتل وسفك